• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

أقول صادقاً لولا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : ((بلغوا عني ولو آية)) ، لماكتبت سطراً، ولما أقمت موقعاً، ولما دعوت أحداً.
ولكن آيات الله تدفعني الى الامام وذنوبي تردني القهقري، وصدق الله عز وجل الذي يحفزنا بقوله سبحانه : ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) "(آل عمران : 110 ) صدق الله العظيم.
فخيرية هذه الأمة هي بالدعوة الى الله عن طريق الأمر بالمعروف، فإذا أمرت الأمة بالمعروف تلاشى المنكر تدريجياً، وانخفض سقفه، وسطع نور المعروف، ولأن الأمر بالمعروف السبب الرئيسي لرسوخ إيمان العبد المكلف وتقويته.

السيرة الذاتية

المقالات والكتب

الاصدارات

ولكن السؤال اليوم يزداد إلحاحا وأهمية في ظل التحولات الكبرى الجارية في العالم، والتي تغير كل شئ تقريبا، والتي تفرض فرصا وتحديات جديدة تمكن الأمة من السيطرة على الفجوة الحضارية مع العالم، أو تزيدها وتدفع بها من جديد إلى مزيد من التخلف والانحسار. 

يمكن بالطبع ملاحظة الكثير من مظاهر العجز والتخلف لدى الأمة المسلمة، وهي على قدر من الكثرة و الخطورة يجعل التفكير في النهضة والإصلاح، ورسم اتجاهات العمل، وتحديد الأولويات والأهداف – أمرا في غاية الصعوبة والتعقيد، ويصدق فيها القول "الفَتق اكبر من الرٌتق". 

فالمسلمون لم يعودوا امة واحدة، ولكنهم دول كثيرة تتنازع أحيانا كثيرة، وهم على درجة من التفرق والاختلاف وتضارب المصالح تجعل مؤسسة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية في حالة تدعو إلى الرثاء والشفقة. 

وبرغم مرور عقود طويلة على استقلا الدول الإسلامية، ورغم مواردها وإمكاناتها الطبيعية والبشرية فإنها لا تزال في موقع متدن في سلم التنمية البشرية – أنضر الجدول المرفق للتمنية في العالم الإسلامي -، ومن أكثر مؤشرات التنمية والإصلاح رعبا هي المستويات المتدنية للتعليم، والتبعية في مجالات أساسية وإستراتيجية كالغذاء، والدواء، والتقنية، والمن والدفاع، وأنماط الحياة والاستهلاك والتنمية. 

وفي المجال السياسي يمكن ملاحظة غياب المشروعات الإقليمية كالطرق وسكك الحديد والصناعات والأسواق ومراكز الدراسات والبحوث المشتركة والتي تجعل من الأقاليم الإسلامية المتعددة إن لم يكن العالم الإسلامي كله إقليما سياسيا واقتصاديا وتنمويا متكاملا يقدر على المنافسة والمواجهة في ظروف في ظروف لم تعد الدول القطرية منفردة قادرة على العمل والتنمية وبناء الأسواق والصناعات والسلع والمنتجات، وفي الوقت الذي استطاعت فيه الهند والصين بناء قاعدة اقتصادية وتنموية وانجاز نحو اقتصادي مضطرد، فان الأقاليم العربية والإسلامية مازالت تعاني من العجز وضعف التنسيق، وتعمل كل دولة منفردة، وتواجه الديون والجز التجاري والتضخيم وضعف مستوى وأداء الخدمات الأساسية. 

ويبقى السؤال ماثلا وملحا: هل يعود أسباب تخلف المسلمين إلى أسباب سياسية من عجز الحكم وضعف العمل الإقليمي بين الدول العربية والإسلامية، أم هو اقتصادي وتنموي وتقني يعود إلى العجز عن توفير المنتجات والصناعات والتقنيات والأسواق، وتحقيق الرفات والاحتياجات الأساسية للمواطنين، أم هو تعليمي و ثقافي و فكري، أم هو مجموع ذالك كله، أم هو تفاعل وليس مجموعا بين الظروف والمعطيات السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية الذي ينتج متوالية معقده يصعب حسابه وتقديرها من النتائج والخسائر؟ 

السؤال نصف الإجابة، لكنه نصف لا قيمة له أيضا بلا إجابة. 

التخلف السياسي في العالم الإسلامي 

يشكل الواقع السياسي آفاقا ومحددات مهمة وفاعلة للمشهد العام للتخلف والتقدم. 

وبرغم انه يمكن نظريا وحدث التاريخ والجغرافيا إن تتشكل نهضة اقتصادية وتنموية وعلمية في واقع سياسي عادل أو ديمقراطية ومشاركة سياسية واسعة وحريات كبيرة، ولكن الواقع السياسي المؤ طر للتقدم والتخلف لا ينحصر في الاستبداد والظلم السياسي أو العدل والحريات، فالبيئة السياسية اكبر من ذلك و اشمل، وربما يكون العمل السياسي البعيد عن التفكير المباشر هو الأكثر أهمية وتأثيرا في النهضة وليس أسلوب الحكم كما يتبادر إلى الذهن تقليديا. 

فالتعليم والتطور والصناعات والتجارة والتقنية تحتاج اليوم إلى بيئة واسعة من العمل الإقليمي المشترك والتعاون الدولي والإقليمي والتسهيلات والتشريعات والقرارات السياسية والصراع السياسي أيضا, وليس مبالغة القول إن جوهر الصراع العالمي والإقليمي وحقيقته هو المصالح الاقتصادية والتقنية. 

ينتشر الإسلام في غرب إفريقيا من مضيق جبل طارق إلى نيجيريا ويشمل الصحراء الكبرى ويمتد إلى الشرق ليشمل من مصر إلي السودان، ثم يمتد إلى أوروبا في بعض مناطق البلقان، ثم يمتد شرقا ليشمل البحر الأسود شمالا إلى أقصى جنوب الجزيرة العربية، ثم يمتد شرقا ليشمل جمهوريات أسيا شمالا إلى الهند حتى جنوبا، ثم يمتد شرقا إلى منغوليا وغرب الصين، ثم ينحدر جنوبا إلى جزر الهند الشرقية. 

ويشغل الإسلام بقعه أرضيه تبدو على الخريطة مثل الحزام العريض الذي يمسك بخصر العالم القديم، ويسيطر على غالب شواطئ البحر الأسود، ونحو ثلثي شواطئ البحر الأبيض المتوسط،وكل شواطئ البحر الأحمر، والخليج العربي، وهي رقعة واحده ممتدة لا تفصل بينها شعوب أخرى وان تخللتها، وتضم عدد كبير من السكان يتجاوز إلف وخمس مائه مليون نسمة، وتضم منضمة المؤتمر الإسلامي في عضويتها ستة وخمسين دوله، ويضاف إليها دول ومجموعات سكنية كبيرة منتشرة في العالم غير الإسلامي، مثل مأتي مليون مسلم في الهند، والمسلمون في دول إفريقيا و أوروبا والقارة الأمريكية. 

ولأكن هذا الكيان الكبير جغرافيا وتاريخيا وثقافيا وحضارينا واستراتيجيا لاتربطة سكه للحديد وطرقات برية واسعة ومناسبة وشبكات إقليمية للكهرباء وأسواق مشتركه واتفاقات جمركيه وتشريعيه، ولا تتدفق فيه ألعماله والأموال والاستثمارات والسلع بحريه وسهولة، بل إن كل دولة من دولة تبني علاقتها ومصالحها وفق رؤية صغيره وضغوط عالمية وإقليميه واعتبارات شتى. 

إن الغرب السياسي والثقافي ينضر إلى العالم الإسلامي بوصفة كيان واحد، وان شعوب العالم الإسلامي تكوين بشرى اجتماعي واحد، سواء كان هذا التجمع متحقق فعلا أو كان قابل للتحقق، ويتعين على المسلمين إن يرو من أمر أنفسهم ما يراه الغرب فيهم وبحكم سياسة تجاههم، واستقر النظام العالمي على إلا يقوم تجمع إسلامي أو تجمعات إقليمية حقيقة في غير بلاد الغرب. 

وحين نشئت في العالم الإسلامي دول قطريه مركزيه كانت في نشاطها وتطورها تعتمد على وسائل الاتصال والمعلومات والطرق، واستطاعت على إن تقضي على أمكانيه وجود حي للجماعات الفرعية وللوحدات الاجتماعية التي يتكون منها المجال الشعبي الأهلي، وسعة الدولة إلى إن تكون المعبر الوحيد عن الوجود الاجتماعي والسياسي، واحتكرت الوظائف الاجتماعية حتى ابسط أنواع الخدمات، واعتبرت كل وجود لجماعة وجود منافسا لها بالفعل أو بالاحتمال. 

وعندما بدائن الدولة تتخلى عن مهماتها التي شغلت بها نفسها ولم تعد قادرة على أدائها ; كان المجتمع الأهلي قد فقد كثيرا من خبراته ومؤسساته وأدوات العمل التي استقر على تحقيق احتياجات المجتمع بها. 

وتعرض المشهد الأمني والسياسي لتطورات بالغة السوء منذ حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد، فقد تراجع البرنامج العربي للصراع العربي الصهيوني بالانخراط في تسوية مجحفة وبغير ميزانا قوي يسند الموقع التفاوضي فيها، وفقدت الدول العربية جزئا من استقلالها وسيدتها وأمنها الاقتصادي والسياسي والعسكري، وتر سخت النزعة القطرية. 

يواجه الاستقلال ل العربي تحديات أساسية سببها النفط الذي تكالبت عليه الولايات المتحدة والقوى العظمى ( كمي لو إن بترولهم في آبارنا ) وإسرائيل مزروعة في المنطقة لحراسة التجزئة والتخلف. 

ومفهوم الأمة نفسه طارئ عليه تغيير في القرنين الأخيرين فقد ارتبك لدى العرب الإدراك الاجتماعي للانتماء للامه القائم على اللغة العربية وعلى الدين الإسلامي. 

الدول العربية والاسمية لم تنشئ على أساس من اللغة والدين، ولم يستطع العرب بدعوتهم القومية توحيد 22 دوله تقاسمت عروبتها، وكذالك تركيا التي قامت على القومية التركية لكنها لم تشمل جميع الذين تشملهم الوحدة الطورانيه المفترضة وشبه القارة الهندية التي ضلت دوله واحده على مدى التاريخ توزعها دول وأقطار بلا أساس واضح للتقسيم. 

وكانت حدود الدول ألقائمه على أساس توازن القوى السياسية بين الدول الغربية الكبرى المستعمرة كمي حدث لاقتسام بلاد الشام بين الانجليز والفرنسيين في اتفاقية سايكس بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى، أو على أسا س توازن القوى السياسية بين حركات التحرر الوطني وجبروت الدول الغربية المستعمرة، كمي حدث بالنسبة لمصر والسودان، وفي أفغانستان. 

وترتب على هذا الارتباك خلل في مفهوم الأمن القومي الذي يعني حماية الجماعة السياسية وحراستها والدفاع عنها، وهذا هو رئس واجبات الدولة بالنسبة للجماعة السياسية التي تقوم عليها والمصدر الأساسي لشرعيتها، وصار امن الدولة هو الذي يسيطر ويحكم موجبات الأمن القومي، وهذا الإرباك أصاب سياسات اغلب الدول العربية والاسلاميه. 

وقد غلب قلق الدول العربية والاسلاميه على مصير علقتها بالولايات المتحدة الأمن القومي، كما في حالة ألانتفاضه الفلسطينية، وغزو أفغانستان وتطور الموقف الباكستاني إلى التضحية بموجبات الأمن القومي إلى القلق من الشعب الباكستاني نفسه، وتناست خطورة قيام دولة معادية لها في أفغانستان، أو يمكن إن تشكل تهديدا لها أو تتحالف مع عداوتها التقليدية الهند. 

لقد تحولت الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى حرب عالمية رابعة تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية بأساليب ووسائل عصر العولمة، وأضحت ساحتها الأساسية ساحة عالم المسلمين دولا وشعوبا. 

ذلك العدو الجديد، وان بدا غير محدد الهوية والمكان إلا انه يتطابق في نظر الإدارة الأمريكية، وكما يتبين من سياستها وسلوكها، مع الإسلام والمسلمين والعالم الإسلامي وقد دشنت هذه الحرب تحت أجندة معلنة تتضمن فرض التحول الديمقراطي، وحماية حقوق الإنسان، ونزع أسلحة الدمار الشامل ولو بالقوة العسكرية، في حين تبدو نواتج السياسات الأمريكية المتبعة مناقضة لهذه الدعوى المعلنة، وكأنها تفرض التبعية والتخلف على العالم الإسلامي. 

عبد الوهاب بن ناصر الطريري 

نائب المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم 

نقلا عن مجلة الإسلام اليوم