• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

الأستاذ عبد الله أبو أحمد


الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده...والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد...

بدءا فإن الله تعالى وعد النصر عباده المؤمنين فقال جل من قائل (وكان حقا علينا نصر المؤمنين)، وقال (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وقال (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويم يقوم الأشهاد)، وقال جل ثناؤه (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك).

أي أن الحسنة بتوفيق الله والسيئة بسبب المعصية والمخالفة، والهزائم من السيئات.

وقوله تقدست أسماؤه (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ). أي أن المصائب ومنها الهزائم بسبب السيئات كما هو ظاهر من قول الله في هزيمة المسلمين يوم أحد (أولما أصابتكم مصيبة قد أصيتم مثليها) فسمى الهزيمة مصيبة.

وقال تعالى (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

فمع وجوب العمل والإعداد ينبغي التوكل على الله لا على عدد ولا عتاد، وإنما الإعداد التزام أمرٍ وطاعة لله ولرسوله، والنصر مع القلة والضعف والهزيمة مع الكثرة والقوة آيات تبين ذلك وتوضحه، هو التوكل على الله تعالى كما في آياته (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، وقوله (قَالَ رَجُلَانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ).

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

فالتوكل على الله وكثرة ذكره والتضرع إليه والصبر والثبات هي أسباب النصر والتمكين، وأما الكفر بأنعم الله والمعاصي والاستقواء بالكفر وأهله ففيه الهزائم والتاريخ شاهد على ضياع الأندلس يوم تحالف ملوك الطوائف مع النصارى،  وشاهد اليوم ونحن نتضرع إلى ملة الكفر في الغرب فنتحالف مع الشرق تارة ومع الغرب أخرى فما يزيدوننا إلا رهقا.

من أسقط العالم الإسلامي؟؟؟ جوابه في كتاب الله تعالى لمن قرأه وتدبره ووعاه، إذ يقول الله تعالى في محكم التنزيل في هزيمة المسلمين يوم أحد (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ((قل هو من عند أنفسكم)) إن الله على كل شيء قدير)، كان ذلك يوم عصى المسلمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا عن الجبل وقد انتهت المعركة، يذكرهم الله بنصرهم في بدر وقد أَصَابُوا مِثْلَيْ ما أُصِيْبُوْا في أحد، مخالفة أمر كانت سببا في الهزيمة، فكم أمر اليوم نخالف بدءا من ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعون على البر ووو.. وكم نهيٍ اليوم نقارف ونرتكب جهارا نهارا من ربا وفحش وغش وكذب ونفاق ومكر سوء وسرقة وتولٍ للكفار ومعادات للمسلمين واستقواء بالكفر وشهادة زور وقذف محصنات وسوء جوار وووو...!!!؟

كذلك كانت الهزيمة يوم حنين وقد كانوا لا يخشون هزيمة بمقاييس الدنيا، فعددهم كثير وعتادهم غزير ورزقهم وفير، فقال قائلهم لن نغلب اليوم من قلة، غرتهم الكثرة والعتاد فكان الاعتقاد بأن النصر يأتي من الكثرة في العدد والعتاد معصية استوجبت الخذلان،فكانت الهزيمة، 

يتضح ذلك أيضا في قول الله تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ "وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْۚ" وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فحتى الإمداد بالملائكة التي لا قبل لأحد بهم ما كان إلا بشرى وطمئنة لقلوب المؤمنين ثم أردف الله بقوله (وما النصر إلا من عند الله) وليس بالملائكة.

ومن أسباب الهزيمة الشعارات التي يخرج بها من يسعون لتغيير الظلم في أوطانهم فجلها غناء ورقص كما يفعل من يسمونهم أولتراس وغيرهم، وأما دعاء المؤمنين الذين يطلبون من الله العزة والتمكين فكان دعاءهم (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

ومن أسباب الهزيمة الماحقة اختلاف الكلمة وتشتت الصف، يقول الله تعالى (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ومن أسباب الهزيمة اتخاذ بطانة السوء كما حدث حين وثقت الدولة العباسية بالخبيث ابن العلقمي فولته الوزارة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا).

ومن أسباب الهزيمة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ *  وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) مصلحون ولم يقل سبحانه صالحون.

ومن هدي خير الخلق صلى الله عليه وسلم ما يخبرنا به عن أسباب الذلة والهوان الذي نحن فيه (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)، والعينة : حيلة يحتال بها بعض الناس على التعامل بالربا ، فالعقد في صورته : بيع ، وفي حقيقته : ربا  والأخذ بأذناب البقر يعني الحرث لأن من يحرث يكون خلف البقرة، وليس ذلك ذم من اشتغل بالزرع وإنما من جعل الدنيا أكبر همه فقدمها على طاعة الله ومنها الجهاد، وهذا كقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ(.

ونقض العهد سبب للهزيمة، جاء في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ... فذكرها، ومنها (وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ(، وفي رواية (خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلّط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة لا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر(.

وهذه قصة فيها عبرة إذ بعد أو وسد الأمر إلى غير أهله واسْتُبْطِن ابن العلقمي الذي سعى في إضعاف الخلافة والتآمر مع التتر فسقطت دولة الخلافة وقتل الخليفة والأكابر من العلماء وكانت هذه القصة: 

يحكى أنّ ابنة هولاكو زعيم التتار كانت تطوف في بغداد،

فرأت جمعاً من الناس يلتفـون حول رجل منهم.. فسألت عنه.. فإذا هو عالم من علماء المسلمين.. فأمرت بإحضاره!

فلما مثُل بين يديها سألته: ألستم المؤمنون بالله؟

قال: بلى..

قالت: ألا تزعمون أن الله يؤيد بنصره من يشاء؟

قال: بلى..

قالت: ألم ينصرنا الله عليكم؟

قال: بلى..

قالت: أفلا يعني ذلك أننا أحب إلى الله منكم؟

قال: لا..

قالت: لم؟! 

قال: ألا تعرفين راعي الغنم؟

قالت: بلى.. 

قال: ألا يكون مع قطيعه بعض الكلاب؟

قالت: بلى..

قال: ما يفعل الراعي إذا شردت بعض أغنامه وخرجت عن سلطانه؟

قالت: يرسل عليها كلابه لتعيدها إلى سلطانه..

قال: كم تستمر الكلاب في مطاردة الخراف؟

قالت: ما دامت شاردة..

قال: فأنتم أيها التتار كلاب الله في أرضه، وطالما بقينا نحن المسلمين شاردين عن منهج الله وطاعته، فستبقون ورائنا حتى نعود إليه عز و جل!

ويكفينا قول الفاروق رضي الله تعالى عنه (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله).

عبد الله أبو أحمد

مبرمج ومحلل نظم