• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

أ.د.عبد الكريم بكار


إننا لا نختلف في أن الموقع العالمي لأمة الإسلام ليس بالشيء المرضي لا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد العالمي والتقني ولا على الصعيد السياسي والمعيشي، لكن حين ندخل في التفاصيل فإننا سنختلف حول الكثير من الأمور . ومما يثير الخلاف هذا السؤال المطروح علينا اليوم .

 

كل ما يقال حول أي قضية من القضايا يظل غامضاً أو غير ذي معنى إذا لم نقم بتحديد المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في تحليلنا وأحكامنا ولهذا فنحن هنا حاجة إلى تحديد المراد بالعالم الإسلامي والمراد بالسقوط وتاريخه ذلك السقوط وأبعاده المختلفة . وهذه مقاربات سريعة في هذا الشأن:

1- ليست أوضاع العالم الإسلامي واحدة ، إذا لا نستطيع مقارنة وضع الصومال وبنغلاديش والنيجر والسودان ........بماليزيا أو السعودية أو سورية ، بل لا يصح أن نقول إن درجة التحضر في المجموعة الأولى أو المجموعة أو المجموعة الثانية واحدة ، ولهذا فإن الحديث عن تقدم العالم الإسلامي حديث شديد العمومية . ومن البديهي أننا لا نريد إلقاء الكلام على عواهنه وإثارة المزيد من مشاعر اليأس والإحباط .

2- إذا أردنا فعلاً أن نتعرف علي أسباب ما يسمي بسقوط العالم الإسلامي ، فلابد من رصد الواقع وقراءته بشكل منهجي ، وهذا لا يتم دون تقسيم هذا الواقع إلى مجالاته الرئيسة : التربوية والتعليمية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والصناعية ، وبعد ذلك يتم تفحص كل مجال من خلال الأرقام والمؤشرات والمعطيات المتوفرة ، ومقارنتها بما لدى الأمم الأخرى لأن الأرقام المطلقة لا تبني شيئاً ،فالعالم اليوم أشبه بسوق واحدة ، وقيمة ما في جيبك من مال ، تقدر بما تستطيع شراءه من تلك السوق .

3- ما الذي تعنيه كلمة السقوط : هل هو الانهيار ؟ أو التراجع ؟ وحتى نفهم معنى السقوط علينا أن نقيّم الحالة التي كنا فيها قبل فترة السقوط ، وفي هذا الإطار هل نقيس واقعنا الآن أو ننظر إليه من خلال فترة الخلفاء الراشدين –رضي الله عنهم – أو من خلال فترة ازدهار الحضارة الإسلامية في القرنين الثالث والرابع الهجري؟ أو من خلال ماذا ؟ أو أننا لا نلجأ إلي المقارنة ، ونقول : إننا في وزن أحوالنا الحاضرة لا ننظر إلي التاريخ، وإنما نحكّم المنهج الرباني الأقوم ؟ وإذا قلنا بهذا نواجه بعض المشكلات ، فكلمة (سقوط) الواردة في السؤال تدل على أننا كنا في مكان مرتفع ، ثم انحدرنا منه ،فما موصفات ذلك المكان ؟ ثم إن المنهج الرباني الأكرم الذي رزقنا الله-تعالي- الإيمان به لا يمنحنا المؤشرات التفصيلية في كثير من أحوالنا الاقتصادية والعسكرية والتربوية ، ولا بد – كما ذكرت- من أن نعود إلى ما لدى غيرنا لنرى واقعنا علي الخارطة العالمية 4- هذا الكلام يأخذ بأيدينا إلي محاولة فهم الماضي الذي يُعدُّ استيعابه ضرورياً لمحاولة بناء صورة تقريبية عن الحاضر . وإذا حدنا إلى هذه المرحلة ، فسنجد أن فهم الماضي بحذافيره وتفصيلاته أمر في غاية الصعوبة ، حيث إن لدينا غموضاً شديداً يكشف ما كان سائداً علي الصعيد الاجتماعي والاقتصادي ، ولدينا غموض شديد حول نسبة الخير ونسبة الشر والصلاح والفساد في تلك المجتمعات . كان هناك من يحرض علي صلاة الجماعة ،ومن يزكّي ، ويقوم الليل ، ويحرص على الاستفادة من الوقت ، ويهتم بالقراءة واقتناء الكتاب.... فما هي نسبة هؤلاء إلى مجموع الناس ؟ ليس لدينا مؤشرات يوثق بها في كل هذا . وكان في مجتمعاتنا التاريخية من يكذب، ويقوم ويسرق ويزني ، ويأكل أموال الناس بالباطل ....فكم كانت نسبتهم إلى مجموع الناس ؟أيضاً هذا غير واضح. 

5- مضت سنة الله –تعالي- في الخلق على أن لا تتسع مرحلة سابقة لمرحلة لاحقة ،وذلك على مستوي النظم والقوانين والأساليب والآليات ، ودليل ذلك شعور الصحابة –رضوان الله عليهم –وشعور من جاء بعدهم إلى يوم الناس ، شعورهم بالحاجة إلي الاجتهاد واستخدام النظم والآليات على نحو مستمر ، وحاجتهم إلى الاقتباس والاستعارة مما لدى الأمم الأخرى . وهذه الوصفية الواضحة تمام الوضوح تعني أن الماضي لا يصلح على نحو وافٍ وكامل معياراً لوزن الحاضر وتفسيره والحكم عليه ، لأن الكأس الصغير لا يتسع لماء الكأس الكبير وهذه نقطة في غاية الأهمية .

6- في الماضي كان لدينا شيئان بارزان :

الأول هو ضعف النظام السياسي ، فهناك تفكك سياسي واسع النطاق ، وهناك ظلم واستبداد ، وفتن داخليه لا تكاد تتوقف في مكان حتى تبزغ في مكان آخر ، وهناك حيرة واضحة بين اللامركزية والمركزية ، كما أن هناك ارتباكاً شديداً في تنظيم مسائل الشورى وانتقال السلطة والمعارضة . وهذا جعل بعض الباحثين المسلمين يصف تاريخنا بأنه رمادي اللون ، وهذا حكم لا يبتعد كثيراً عن الواقع

الثاني هو انتشار الجهل والأمية ، فالتعليم لم يكن وقتها إلزامياً- كما هو الشأن في كل العالم آنذاك- ولم يكن لدى الدولة نظام واضح لنشر المعرفة ، كما أن الأطر والأدوات التثقيفية كانت محدودة للغاية ،وهذا كله يعني أن الأمية كانت منتشرة على نطاق واسع جداً ، ولكن ليس لدينا أي أرقام أو إحصاءات لذلك .

في ظل الضعف والفساد السياسي وضعف انتشار العلم بين أظهر الناس أتوقع أن يكون هناك بيئة غير صالحة للتدين وفهم جوهر الإسلام على النحو الصحيح ، فالإسلام بنية حضارية راقية لا يستوعبها تمام الاستيعاب ، ولا يتفاعل معها على نحو مثمر من مكان أمياً أو ضحل المعرفة ! ولهذا كانت بداية الوحي تحث على القراءة والكتابة ،كما أن الفساد السياسي والحروب والفتن الداخلية من الأمور التي لا تساعد على الاستقرار والإنتاج الحضاري الجيد ، وانطلاقاً من كل هذا فلا ينبغي لأحد أن يتصور أننا كنا في القمة ثم هوينا من شاهق ، ولو أنك عدت إلى التاريخ وسمعت كلام الأقوام في سابق الأزمان حول حياتهم وأوضاعهم لوجدت أن هناك الكثير من الشكوى والتبرم وربما تجد أن كل من تقرأ لهم لم يكونوا راضين عن زمانهم .

7- الذي أخلص إليه من وراء كل ما سبق أن العالم الإسلامي لم يسقط وإنما لدينا اليوم جوانب مشرقة ، تحتاج إلي تعزيز ، ولدينا جوانب مظلمة ،تحتاج إلى علاج . وإذا كنت قد أثرت الكثير من الأسئلة ، وقدمت القليل من الأجوبة ، فأعتقد أن هذا الأسلوب في البحث هو أسلوب منهجي حيث إن إثارة الأسئلة والإشكالات توجه التحليل وتساعد على إصدار الأحكام الراشدة .

نسأل الله -تعالي- التوفيق لما هو خير و أبقي .

أ.د.عبد الكريم بكار

الرياض