• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

د.خالد محمد الغيث


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ،،، وبعد فإن مناقشة مثل هذه القضايا أيام الفاروق رضي الله عنه تتطلب التشاور مع أشياخ بدر رضوان الله عليهم لكونها من القضايا المصيرية في تاريخ الأمة. ولكن من باب إبراء الذمة والنصح للأمة أقول: إن حالة الوهن والضعف - وليس السقوط - التي أصابت الأمة الإسلامية وجعلتها تتخلى عن قيادة البشرية، تعود إلى مجموعة من الأسباب الخارجية، والداخلية، لكن الحديث سينحصر في الأسباب الداخلية لأنها هي التي مهدت الطريق للأسباب الخارجية؛ والأسباب الداخلية كثيرة ولكن أبرزها مايلي :

أولاً : إهمال الأمة للتربية الإيمانية ، مع مع أنها كانت الشغل الشاغل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه رضوان الله عليهم .

ثانياً : ظهور الجفوة في العلاقة بين العلماء الربانيين والحكام ، والتي كانت تصل إلى حد القطيعة في بعض الأحيان.

ثالثاً : إهمال السنن الربانية، في عدة مجالات، مثل: النصر والتمكين وعمارة الأرض، وهي سنن لاتحابي أحداً. هذا ومن رحمة الله بالناس أنه لا يأخذهم بذنوبهم ابتداءً بل ينذرهم المرة تلو المرة لعلهم يرجعون، قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون).

ومن تلك النذر الربانية ما أجراه الله سبحانه وتعالى على الأمة المسلمة قبيل الغزو المغولي وفي أثناء الغزو المغولي؛ تنبيهاً للأمة بسبب ابتعادها عن الله وتلبسها بالمعاصي ، وأمنها من عقوبة الله سبحانه وتعالى.

وفيما يلي ثبت ببعض تلك النذر:

1- ما وقع في سنة (سبع وتسعين وخمسمائة) من زلازل عظيمة في الشام ومصر، وفي ذلك يقول المؤرخ سبط ابن الجوزي مبيناً علة ذلك : ( وما ظلم الله عباده بإهلاك النسل والناسل ، ولكنهم تعاموا عن الحق ، وتمادوا في الباطل ، وأضاعوا الصلوات ، وعكفوا على الشهوات والشواغل ، وارتكبوا الفجور ، وشربوا الخمور ، وأكلوا الربا ، والرشا ، وأموال اليتامى ).

2- ما وقع في سنة ( اثنتين وخمسين وستمائة ) من خروج نار عظيمة بأرض عدن ، وفي ذلك يقول المؤرخ ابن دقماق : ( وفيها ظهرت نار بأرض عدن في بعض جبالها ، بحيث يطير بها شرار إلى البحر في الليل ، ويصعد منها دخان بالنهار ، فما شكوا أنها النار التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم أنها تظهر في آخر الزمان ، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والمفاسد).

3- ما وقع في سنة ( أربع وخمسين وستمائة) من خروج النار العظيمة بأرض الحجاز قرب المدينة النبوية ، وفي ذلك يقول المؤرخ أبو شامة : ( ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى مسجد نبيهم عليه الصلاة والسلام ، مستغفرين تائبين إلى ربهم... وقد حصل بطريق هذه النار إقلاع عن المعاصي والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات ، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة ).

وفي رسالة بعث بها قاضي المدينة إلى بعض أصحابه يخبره فيها عن خبر النار، أوردها المؤرخ أبو شامة ، وفيما يلي مقتطفات منها : قال القاضي : ( وأشفقنا منها ، وخفنا خوفاً عظيماً ، وطلعت إلى الأمير وكلمته وقلت له : قد أحاط بنا العذاب ، ارجع إلى الله ، فأعتق كل مماليكه ، ورد على جماعة أموالهم... وقال أيضاً : ( وبالله يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدرة ، والمدينة قد تاب جميع أهلها ، ولا بقي تسمع فيها رباب ، ولا دف ، ولا شرب).

4- وفي سنة ( اثنتين وسبعمائة) وبعد أن نصر الله سبحانه وتعالى المسلمين في معركة مرج الصفر ضد المغول في الشام ، قابل المسلمون ذلك النصر بالعودة إلى ما كانوا عليه من الذنوب والمعاصي وأصناف من الفرح غير المشروع ، عند عودة الجيش إلى القاهرة.

وفي ذلك يقول المقريزي: ( وفيها كانت الزلزلة العظيمة ، وذلك أنه حصل بالقاهرة ومصر في مدة نصب القلاع والزينة من الفساد في الحريم وشرب الخمور ما لا يمكن وصفه ، من خامس شهر رمضان إلى أن قلعت في أواخر شوال.

فلما كان يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة عند صلاة الصبح اهتزت الأرض كلها ، وسمع للحيطان قعقعة ، و للسقوف أصوات شديدة ، وصار الماشي يميل والراكب يسقط حتى تخيل الناس أن السماء أطبقت على الأرض ، فخرجوا في الطرقات رجالاً ونساءً ، قد أعجلهم الخوف والفزع عن ستر النساء وجوههن ، واشتد الصراخ ، وعظم الضجيج والعويل ، وتساقطت الدور ، ووضع كثير من النساء الحوامل ما في بطونهن.

وبات الناس ليلة الجمعة بالجوامع والمساجد ، يدعون الله إلى وقت صلاة الجمعة ، فكان في ذلك لطف من الله بعباده ، فإنهم رجعوا عن بعض ما كانوا عليه من اللهو والفساد أيام الزينة ).

وفي الختام ، أرجو الله أن أكون وإياكم ممن يتفكر في أسباب النذر الربانية في كل زمان ومكان ، حتى نكون ممن خاطبهم الله سبحانه وتعالى في قوله : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).

د. خالد محمد الغيث

محاضر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة