• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

الأستاذ / محمد محفوظ


ثمة جانبان أساسيان لمقولة أو مصطلح العالم الإسلامي وهما :

1- الجانب الثقافي والقيمي الذي يشكل نظام القيم والثقافة وأنماط الحياة في المجتمع .

2- الجانب السياسي والذي يرتبط بشكل مباشر بالكيان السياسي الواحد للمسلمين . ولعلنا لا نحتاج إلى جهد كبير إلى القول : أنه إذا كان المقصود بسقوط العالم الإسلامي ، هو السقوط الثقافي والقيمي . 

فوقائع التاريخ والحاضر تناقض ذلك . إذ أن من المفارقات العجيبة والتي تحتاج إلى مزيد تأمل وتفكير أن انتشار الإسلام وثقافته ومبادئه في أمم الأرض ، لم يتوقف حتى في أحلك الظروف وفي الحقب التي كان يعيش فيها المسلمون لحظات ضعفهم الرهيبة . فضعف المسلمين لم يمنع الإسلام من الانتشار .

وهذا يجعلنا نعتقد أن الجانب الثقافي والقيمي للمسلمين ، لا يمكنه أن يسقط ، وهو يعتمد في بقاءه واستمراره على عوامل ربانية وإنسانية . أما الجانب الآخر والذي يعني سقوط الكيان السياسي الواحد للمسلمين. فإن وقائع التاريخ وأحداثه تجعلنا نعتقد أن هذا هو المقصود بمقولة سقوط العالم الإسلامي . ولكن الشيء الأساسي الذي ينبغي قوله في هذا السياق ، أن سقوط الكيانية السياسية الواحدة للمسلمين كان بفعل عوامل وأسباب أساسية ، لا يمكن إدراك معنى السقوط السياسي بدون التعرف العميق على هذه الأسباب والعوامل .

وفي تقديرنا أن عوامل السقوط السياسي هي :

1- التخلف : باعتباره الأرضية الصالحة لنمو أي مرض أو ميكروب في داخل المجتمع أو الأمة .

والتخلف هو عبارة عن حالة من فقدان المناعة اتجاه الكثير من الأمراض المختلفة والمتنوعة الوافدة من الآخر الحضاري أو المنبعثة من داخل الكيان الذاتي . كما أن حالة التخلف تغرز الكثير من حالات الإهتراء والخمول والتأخر وتأسيس عوامل وأسباب الانحطاط والتراجع والانهيار الحضاري . ويبقى مرض التخلف من الأخطار الجاثمة على صدر الأمة الإسلامية ومصدر للكثير من المشاكل والأزمات التي تعتري مسيرة الأمة في الحياة .

2- الاستعمار : لكونه قوة غاشمة تريد السيطرة على مقدرات المسلمين ونهبها والقضاء على كل مقومات الأمة الإسلامية . لذلك فالحركة الاستعمارية بمؤسساتها ودولها ورجالها وأجهزتها المختلفة لا تألوا جهدا من أجل تكريس جميع أسباب وعوامل الانحطاط والتأخر في جسد الأمة الإسلامية . وللمستعمر أساليبه المتعددة والمتنوعة التي يستخدمها في الوصول إلى مآربه وأهدافه الشيطانية .

وتاريخ وواقع الأمة الإسلامية الحديث شاهد حقيقي على دور الحركة الاستعمارية بجميع أشكالها وصورها في تمزيق الأمة وتشتيت طاقاتها وقدراتها ، والعمل بكل الامكانات والطرق للقضاء على مكامن الحيوية والعطاء في الأمة الإسلامية .

3- الديكتاتورية : بوصفها معضلة وداء يمنع أي خير في المجتمع من النمو والاتساع ، بحيث أن حالة الاستبداد إذا سادت في المجتمع فإن القدرات الإبداعية تضمحل في المجتمع وجميع عمليات الابتكار والإبداع تتوقف ، لأن سيف الإرهاب والاستبداد يقمع كل حالة فردية أو جماعية تنشد النهضة والتقدم والازدهار . فصنو الديكتاتورية الخوف والقلق والإرهاب والضجر واللامبالاة وغياب الرفاهية والتقدم وانعدام الثقة وما أشبه .

وقد كتب الشيخ عبد الرحمن الكواكبي قائلا : " ويقال بالإجمال أن المستبد لا يخاف من العلوم كلها ، بل من التي توسع العقول وتصرف الإنسان ما هو الإنسان ، وما هي حقوقه ، وهل هو مغبون ، وكيف الطلب ، وكيف النوال ، وكيف الحفظ . المستبد عاشق للخيانة ، والعلماء عواذله . المستبد سارق ومخادع ، والعلماء منبهون محذرون ، وللمستبد أعمال وسوالح لا يفسدها إلا العلماء " .

فهذا الثالوث الخطر هو المسئول الأساسي عن سقوط الكيانية السياسية الواحدة للمسلمين . وقد أدى هذا الثالوث إلى تداعيات وآثار خطيرة أخرى من أهمها :

1- حالة التجزئة والتفتت وطغيان الحالة الفئوية والضيقة في المجتمعات الإسلامية . التي أدت بدورها إلى بروز أخلاق العداوة والبغضاء والتناحر بدل أخلاق التعاون والتنافس الشريف وعلاقات حسن الجوار بين بلدان العالم الإسلامي .

2- زرع الغدة السرطانية في جسد الأمة الإسلامية ( الكيان الصهيوني ) إذ يشكل هذا الكيان في الاستراتيجية الغربية القاعدة المتقدمة من أجل استمرار الهيمنة الغربية واستنزاف طاقات الأمة وقدراتها .

وجماع القول : أن حالات الضعف والتراجع التي يعانيها العالم الإسلامي اليوم ، هي من جراء عوامل وأسباب متعددة . لا يمكن الانعتاق منها ، والتحرر من تأثيراتها السلبية إلا بمقاومتها ومجابهتها وفق رؤية حضارية جديدة ، تأخذ على عاتقها نبذ السطحية والجمود والخرافة واللاأبالية ، وتؤسس لحقائق التعاون والوحدة في الجسم الإسلامي المعاصر . وحده النهوض الحضاري هو جسر عبورنا للتخلص من براثن التخلف والانحطاط ومخالب الاستعمار وسيئات الديكتاتورية والاستبداد .

الأستاذ / محمد محفوظ

مدير تحرير مجلة الكلمة بيروت