• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

أ/ محمد عدنان سالم


إن مشكلة العالم الإسلامي في صميمها هي مشكلة حضارته.. 

فلقد استطاع على هدي رسالة السماء (اقرأ) أن يبني أسرع حضارة وأوسعها وأكثرها عطاءً في التاريخ الإنساني، ثم كبا جواده كبوةً طال أمدها، فما يزال يتلمس سبل النهوض منها قروناً، من دون أن يفلح.. 

ليس غريباً أن يكبو الجواد، فلكل جواد كبوة، وليس غربياً أن تغرب شمس الحضارة عن أمة، فلكل إشراقة شمس مغرب.. لكن الغريب أن لا يتبع الكبوة نهوض، ولا يتبع الغروب شروق.. 

الحضارة دولة بين الأمم، وللحضارة دورةٌ يصعد بها جيل، ويستمر بها جيل يليه، ويهبط بها جيل ثالث، كما رصد ذلك ابن خلدون.. ثم وضح المفكر الجزائري مالك بن نبي هذه الدورة الحضارية بخط بياني يمثل معادلة رياضية طرفاها الواجب والحق، ومحصلتها الحالة الحضارية التي تعيشها الأمة، فجيل الصعود هو جيل العطاء والتضحيات الذي لا يرى بعينه إلا الواجبات متناسباً الحقوق، واثقاً من أنها حاصلة بشكل تلقائي، فإذا قام كل فرد في الأمة بواجبه، حصل كلٌ على حقه تلقائياً من دون أن يطلبه، وبذلك ترجح كفة الواجبات والعطاء الذي يشيد الحضارات، ثم يأتي من بعده جيل يتمتع بالمستوى الحضاري الذي تركه الآباء حقاً من حقوقه، في الوقت الذي لا تزال لغة الواجبات وأدائها ماثلة أمام عينيه، فتتعادل كفتا الحقوق والواجبات، وتسير الحضارة فيه على خط مستقيم يعطي بقدر ما يأخذ. ثم يأتي الجيل الثالث؛ يطلب حقه في الاستمتاع بمنتجات حضارة الآباء، وينسى واجبه في إضافة لبنات جديدة على البناء، فيميل خطه للانحدار حتى يصل إلى الهاوية.. تلك سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد السنة الله تبديلاً. ففي بلد كل من فيه يطلب الحقوق، من يعطي هذه الحقوق؟ ولمن؟ 

وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السنة للدورة الحضارية الخالدة، فقال صلى الله عليه وسلم : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " [ متفق عليه ] يعدُّ الأجيال الثلاثة التي رصدها من بعدُ ابن خلدون ومالك بن نبي. 

وعلى الرغم من أن مالك بن نبي أكد إمكان استعادة الأمة دورتها الحضارية – في عملية تبخير تنقيها من الشوائب العالقة بها، ثم تقطير تعيد إليها فعاليتها وطاقتها الحضارية الكامنة- فإن الأمة الإسلامية لم تستطع أن تنهض من كبوتها، بل إنها تعمدت إساءة فهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المشار إليه، وصرفه عن مغزاه الحضاري العميق، فتطوعت بإضافة أجيال تالية للجيل الثالث؛ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم إلى مالا نهاية، لتريح نفسها من عناء النهوض ثانية، معمقة الهوة التي تردت إليها، مخلدة إلى الأرض، باحثة عن كهف تغط فيه في نوم عميق، تتقلب فيه ذات اليمين وذات الشمال، إلى أن يأذن الله بإيقاظها ولن يفعل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم( [ الرعد 13/11]. 

العالم الإسلامي يعاني اليوم من حالة وهن حضاري مزمن، استسلم لها كمرض عضال لا يرجى برؤه، أو كحتمية سننية لا فكاك منها، وكأن الرسالة الخاتمة جاءت لتطبق في الأرض مرة واحدة ثم تتلاشى وتستمر في التلاشي حتى يرث الله الأرض.. وهو فهم يتنافى مع منطق القرآن الكريم الذي يرتب النتائج على الأعمال (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى( [ النجم53/39-41 ]. 

لا بد من تشخيص العلة، وقد تلخصت عندي في مثلث العجز: 

1- الأحادية، التي أنتجت التعصب وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وذهبت بالتعدد والاختلاف الذي أقام الله تعالى نظام الكون على أساسه، وجعل نماءه وارتقاءه مرهوناً به (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض( [ البقرة 2/251 ] (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم( [هود 11/ 118-119 ]. 

2-الماضوية التي حولت تاريخهم إلى قوة جذب تشدهم إليها، بدلاً من أن يستثمروها كقوة تدفعهم إلى مستقبل أفضل؛ يضيفون به جديداً إلى ما صنعه الآباء.. تراهم يسوغون عجزهم بمنظومة فكرية تقوم على مقولات مثل: لم يترك الأول للآخر شيئاً، يحملون بها الآباء مسؤولية حل مشكلاتهم المستجدة، ويحملونها إليهم في قبورهم؛ يستفتونهم فلا يجيبون، والله تعالى يستنفرهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، وهل الفقه غير الإلمام بالواقع لتنـزيل النص عليه وإعماله فيه؟! 

3- النخبوية التي فرزت الأمة إلى خواصٍّ اختصوا أنفسهم بالنظر، وعوام أعفوا أنفسهم منه، فانفصم بذلك النظر عن العمل، وفقدت الأمة فاعليتها وسار العلم بجانب الخواص، ومضى العمل بغير علم لدى العامة، فتحولت الأمة إلى ظاهرة صوتية تقول مالا تفعل، وتنظر ولا تعمل، وتعقد عشرات آلاف الدروس والمؤتمرات والندوات، تذهب توصياتها أدراج الرياح أو أدراج المكاتب، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون( [ الصف 61/2] واستحقوا مقته (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون( [الصف 61/3]. 

أرجو بذلك أن أكون قد أجبت على سؤالك 

وأعرب لك عن بالغ التقدير 

الأستاذ محمد عدنان سالم 

المدير العام لدار الفكر السورية