• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

أ د أحمد شلبي


لماذا انتكس المسلمون بعد نهضتهم؟

رأينا المسلمين يهتمون بالحضارة التجريبية، ويصبحون كعبة التقدم في العالم ، فلماذا تراجعوا عقب ذلك؟ 

الإجابة عن هذا السؤال تندرج تحت سببين:

1- سبب سياسي هو أن الحروب الصليبية دارت في أرضنا مدة قرنين تقريباً، وقد انتصرنا فيها في النهاية، ولكنها تركت بأرضنا صوراً من الدمار والانهيار. 

وقد دعت الحروب الصليبية إلى جلب كثيرون من المماليك في أواخر الدولة الأيوبية، وقد استطاع هؤلاء أن يقفزوا إلى السلطة، ولم يكن لأكثرهم فكر يسمح لهم أن يقودوا البلاد بحكمة وبخاصة في وقت احتاجت فيه البلاد إلى التشييد والتعمير بعد الانتصار، فازدادت البلاد تخلفاً. 

وعندما كان المماليك يتولون السلطة في مصر والشام كان المغول يتولون السلطة في العراق وفي أكثر البلاد الواقعة إلى الشرق منه. وقد مثل هؤلاء دور التخلف الذي مثله المماليك في مصر والشام. 

وجاء العثمانيون بعد المماليك في أكثر بلدان العالم. ولم تكن لهم كفاءة ليعيدوا مجد الإسلام، ثم إن حروبا صليبية طاحنة قد قامت ضد العثمانيين وقوّضت إمبراطوريتهم. 

وأخيراً أسلم الأتراك’ البلاد َ العربية إلى الاستعمار الأوربي الذي أكمل الشوط في النيل من الإسلام والمسلمين. 

2- وسبب فكري أدّى إلى هذا التخلف ويمكن أن يقال إنه ناتج عن الاضطراب السياسي، فقد حدث في وسط هذا الظلام، أن المسلمين بعدوا عن الخط الصحيح الذي رسمه لهم الإسلام ، وانحرفوا بدينهم وعقيدتهم في كثير من الأحوال ، وتركوا أمور الدنيا ، مع أن الله حثهم على العمل بها بجدّ ، وكذلك حثهم الرسول، قال تعالى..:(... فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله )سورة الجمعة الآية العاشرة وقال تعالى ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا )سورة القصص ، الآية السادسة والسبعون وقال تعالي (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ...) سورة التوبة الآية 105وقال عليه السلام : أنتم أعلم بشئون دنياكم ، وقال : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. 

وفي حين ترك المسلمون أمور الدنيا اهتموا بالبحث في العقيدة والتشريع فاختلفوا إلى فرقٍٍٍٍ ومذاهبَ شتي وحارب بعضهم بعضا. وأصبح هناك أي شاب مهما كان ضحل الثقافة يرى رأيا يعتقد أنه هو الرأي الصواب ولا صواب سواه، وهناك جماعات ركزّوا على قضية واحدة كإطلاق اللحية مثلاً ثم نسوا كل الآداب والأفكار الإسلامية فلا يتكلمون عن الغيبة والرشوة، وإنما كل تركيزهم في إطلاق اللحية. 

أما الأوربيون فقد التقطوا ابتكارات المسلمين وتطورا بها لدرجة عظيمة، ولم يكن للغربيين عقيدة يهتمون بها، فقد فُصل الدين عن الدولة، فاتجه علماء الغرب بكل طاقاتهم إلى تطوير شئون الدنيا ونجحوا في ذلك نجاحا كبيرا. 

هل نتمنى أن نكون كالغرب فننصرف عن العقيدة والتشريع إلى أعمال الدنيا؟ 

بعض الناس يعجبه هذا الاتجاه ويتمناه، ولكن هذا خطأ كبير، فالمدنية بدون دين وأخلاق تدمّر أكثر مما تبني تهدّد أكثر العالم بالفناء وتتركه قبل الفناء يعيش في خوف ووجل مئات الملايين من الجنيهات كان ممكن أن تُسعد البشر، ولكنها بدلا من ذلك تُنفق لإنتاج القنابل الذرية والهيدروجينية التي تُعد للقضاء على البشر، وكل ذلك لأن هذه المدينة ملحدة ، مدنّية بُنيت على نظام اقتصادي بحت ، فأباحت للإنسان أن يقتل الإنسان، وأن يستعمر أرضه، ويُذل أصحابَ الأرض، ويُجيعهم، ليحصل على ما عندهم من ثروات، وكل ذلك لأن هذه المدنية لم يدخلها عنصر الأخلاق ولا عنصر الأيمان، وهي لذلك سراب يضئ ولكنه ضوء خدََّع. 

والطريق الحق لخير الإنسانية أن ينمو العلم في جوَّ أخلاقي روحي حتى يمكن أن يكون وسيلة لإسعاد البشر. 

أن نهضة العالم جاءت علي يد الإسلام، وعلى أيضاً لا بد أن تتجدد النهضة المرتقبة التي ترعى شئون الدنيا وتسير في ضوء الدين، فإن الضعف الذي وصل المسلمون إليه لم يكن بسبب الدين، ولكنه كان بسبب البعد عن الدين. 

والطريق السريع أن نبدأ حالا في تصحيح أنفسنا، نقبل عقيدة الإسلام في جمالها ويُسْرها، ونتبع التشريع الإسلامي في دقته، علي أن نُدْخل العلوم المهمة مثل مقارنة الأديان والحضارة الإسلام الأخرى، وفي الوقت نفسه نتجه إلى الدنيا لنعمّر ونشيد، ولنعمل لترقية الحياة بكل أساليبها متتبعين في ذلك أخلاق الإسلام التي تحارب الرشوة،  وتحارب الكسل، وتحارب الأنانية، وتحثُ علي الجد وعلي الحب والتعاون. 

إجابة أ.د. أحمد شلبي مأخوذة من موسعة الحضارة الإسلامية الجزء الأول ص 113.