• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الإجابات

د. جاسم سلطان


لن أتوقف كثيراً عند المصطلح المستخدم في السؤال أهو سقوط أم هبوط أو نكسة أم نكبة ...فالمعنى المراد واضح والدافع للسؤال موجود في كل ضمير حي محب لأمته ومعني بما يحدث لها.

ومصطلح الأمة حين يُستدعى يحمل معه عدة مضامين، أولها المعنى السياسي والذي يقتضي وجود دولة الخلافة أو ما ينوب عنها، وسنعود للحديث عنه لاحقاً. وثانيها المعنى الثقافي بمعنى وجود إرث ثقافي مشترك لمجموعة من البشر يميزها عن غيرها ويربط بينها، وثالثها المعنى النفسي بمعنى شعور مجموعة من البشر بالتوصل العاطفي والمشاعر المتبادلة، وعلى ذلك ينبغي التفريق بين أي نوع من المضامين يُستدعى عند الحديث عن المصطلح حتى يمكن التعاطي معه بوعي.

والسؤال عن أسباب التراجع الحضاري يقتضي معالجة إشكالية متعلقة بالمحتوى الزمني للسؤال، بمعنى أن لحظة الانكسار التاريخي والتي تفوق فيها الغرب على وجه التحديد على العالم الإسلامي يمكن نسبتها- بشئ من التجاوز- إلى القرن الرابع عشر الميلادي والتي عالجناها في كتاب الذاكرة التاريخية بشكل مفصل واستعرضنا فيها المسار الاسلامي في خط الصعود والهبوط والمسار التاريخي والتحولات في الغرب التي صحبت التقدم والتي رسمت الفجوة التي نعاني منها اليوم ويمكن الرجوع للموضوع في مكانه من كتاب الذاكرة التاريخية .

ولكن السؤال يطرح مستوى زمني آخر وهو اللحظة الحاضرة وما الذي يحكمها وكيف نقومها وما الذي يعوقنا من التقدم فيها وهو الأمر الأهم من وجهة نظري؟

وللإجابة على هذا السؤال أقول بأن التجلي الأهم لوضع أية دولة أو أمة والذي يحوصل حالتها هو وزنها السياسي بمعنى مدى قدراتها على الدفاع عن مصالحها وحماية مواطنيها، ورفع مستوى الرفاه بينهم، ثم بمدى تأثيرها في القرار الدولي العام. فإذا تحدد المعيار العام يمكننا أن نقول أن حال الأمة سواء نظرنا إليها من خلال الدولة القطرية والأجزاء المتنوعة التي تمثلها أو في الأشكال التجمعية لها في شكل المؤتمر الإسلامي أو جامعة الدول العربية يمكننا أن نقول أنها بالمقارنة بمثيلاتها في الوضع الدولي ضعيفة وغير قادرة على حماية مصالح من تمثلهم بالشكل الذي نتمناه كأفراد في هذه الأمة، وهذا موضوع قد تجمع عليه أغلبية غالبة من الأمة اليوم وتشهد له أوضاع مثل العراق وفلسطين وأفغانستان ولبنان والصومال وغيرها في الواقع الراهن.

والأمر الذي يطرح نفسه عند هذا المستوى من التحليل، ما الذي يكرس الوضع القائم ويديم حالة التراجع أو التخلف عن ركب الأمم الصاعدة اليوم في مجال القوة السياسية تحديداً رغم وجود الرغبة وإلحاح السؤال على الأفراد ومتخذي القرار؟

أعتقد أن هناك ثلاثة تحديات تواجه حالة الحراك النهضوي في الأمة اليوم:

الأولى: منطقة اتخاذ القرار: افتقاد الحكومات الصالحة (نظام الحكم الرشيد) وبالتالي لا تستفيد الأمة من مواردها المادية والبشرية وطاقاتها الروحية في عملية الاحتشاد في مسار النهضة بل تواصل عمليات الهدر في جميع مواردها وتتحول من الانشغال بالمشروع الخارجي إلى التآكل الداخلي ولذلك أسباب ليس هذا موضع تناولها.

الثانية: منطقة ترشيد القرار: وهي الفئات المهتمة بالشأن العام من المفكرين والمثقفين وقادة المجتمع على المستوى التصوري والروحي. حيث تضطرب الرؤى والتصورات وتنتشر الأفكار القاتلة لتشغب على الأفكار الحية فتتعثر حركة الإصلاح والترشيد بما تبثه هذه الطبقة من مقولات وتفسيرات وما ترتبه من أولويات وقضايا.

الثالثة: اختلال الموازنة بين متطلبات النموذج والمثال وحركة الواقع أو تحريكه في اتجاهه وبالتالي عندما يحدث اختراق تاريخي يلزم تطويره (نموذج العراق العلمي) يتم تدميره بسبب تحميل النموذج أكثر مما يحتمل عبر مغامرات غير محسوبة. وفي جميع النماذج التاريخية يشترك نموذج سوء القرار مع الأيديولوجيا المتطرفة فتدمر إنجازات عظيمة للشعوب (نموذج هتلر، نموذج الاتحاد السوفييتي).

وبالتالي أعود للتركيز بأن التخلف التاريخي رغم ارتباطه بالوضع الراهن كمقدمة له إلا أنه يجب النظر للوضع الراهن ومعضلاته وكيف تجاوزتها الأمم المجاورة من الشعوب المستضعفة وأخذ العبرة فذلك أجدى وأقوم سبيلاً.

والله من وراء القصد .

د. جاسم سلطان

مفكر وخبير استراتيجي