• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)


هذا الكتاب عبارةٌ عن مجموعةٍ مِن النَّصائح والمقالات، كنتُ قد كتبتُها في أوقاتٍ متفرِّقةٍ، وكنتُ قد ابتَدأتُها بنصيحةٍ قدَّمتُها لــ [حـمـاس]، إبَّانَ فوزِهم في الانتخابات التَّشريعيَّة الفلسطينيَّة عام 2006م، ثُمَّ توالَت الكتابات بعدَها، بتَناوُلِ ما حدثَ في مصر، مرورًا بالأزمة الخليجيَّة الحالية وقُدُوم الرَّئيس الأمريكيِّ [ترامب]، في زيارته المشهورة والقمَّة الَّتي شارَكَت فيها دُولُ العالم الإسلاميِّ.

وقد أرفَقتُ جدولًا بتواريخ النَّصائح وأماكن نَشرِها، وعلى الرغم مِن تَشابُه بعض هذه النَّصائح والمقالات، إلا أنِّي قد آثرتُ عدمَ حذفِ المتشابه؛ نظرًا لأهمِّيته.

غلاف الكتاب


والسَّبب في جَمعِي لهذه المقالات ومحاوَلة نَشرِها الآن، أنَّها لم تُقبَل حين صدورها، بل قوبِلَت باستهزاء حينئذٍ، أمَّا الآن فقد حان -فيما أرى- وقتُ نضوجها وقَطفِها، هذا أوَّلًا؛ أمَّا السَّبب الثَّاني فهو أنَّها -هذه المقالات- لم تكنْ نِتاج هوًى متَّبَعٍ أو رأيٍ مصطنَعٍ؛ بل إنِّي كتبتُها بِناءً على منهجٍ راسخٍ، ترَكَه خيرُ خلْقِ الله، محمَّد بن عبد الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- الَّذي لا يَنطِق عن الهوى.

اعلَمْ -أيُّها القارئ الكريم- أنَّ قوَّة المسلمين في منهَجِهم?، وليس في مناهج غيرهم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]، وكما ورد عن ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- في قوله: «لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى تَرَكَكُمْ عَلَى طَرِيقٍ نَاهِجَةٍ».

لذلك كان المنهج هو موروث الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام-، ففي الحديث الصَّحيح: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»، وقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ».

فلا شكَّ أنَّ العلم هو المنهج، وما يَحدُث الآن يوضِّح فقدان المنهج في صفوف المسلمين، فمَن تأمَّلَ الشَّباب الصَّالحين في فلسطين -وغيرها من دول الإسلام- وَجَدَ الشَّجاعة والإقدام، لكنَّه يَجِد النَّتائج في المقابِل لا تَقتَصِر على مجرَّد الخسارة البسيطة، بل إنَّه يجد نتائجَ عكسيَّةً تمامًا، وكلُّ هذا إنما يكُون بسبب ضياع المنهج.

والمَعنِيُّ بالمنهج هاهنا ليس هو حِفظ النُّصوص -مع أهميته-، لكن الشَّريعة ترفُض أن تكون ببغاء -وما أكثر الببغاوات-! بل إنَّ الشَّريعة تطالبُكَ دائمًا أن تَستَوعِب المنهجَ النبويَّ الكريم، وتبيِّن لكَ متى يكُون الصَّبر والهدوء مع الحكَّام المستبِدِّين والأعداء المحتَلِّين؟ ومتى تكُون المواجَهات؟ متى تأمُر بالمعروف؟ ومتى تَنهَى عن المنكَر؟

انظُرْ في منهج الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- في تَعامُله مع مشرِكي مكَّة في صُلحِ الحديبية، تَتَّضحْ لكَ دلالة المنهج.

وتأمَّل المظاهرات التي تدعو إليها [حـمـاس] الآن -ونحن في نهاية 2018م- لفكِّ الحصار الخانق عن القطاع؛ كلُّ هذا لأنَّهم -رحمنا الله وإيَّاهم- زهدوا في سُنَّة النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الصُّلح مع الأعداء، فقاموا بتسْيِير المظاهرات وقتْلِ الشَّباب يوميًّا؛ حتى لا يقال: إنَّ [حـمـاس] والفصائل تخَلَّت عن منهجها، أي المقاوَمة التي تَنتهِجها، وجَعلوا مَن يدعو للهدنة أو الصُّلح صهيونيَّ الهوَى، فالموضوع عندهم عنادٌ في عنادٍ، وإنَّني أَعلَمُ عِلم اليقين أنَّهم سيعودون، لكن بعد أن يَهلَكَ الحرثُ والزَّرع!

لقد كَفَرَ أهل غزَّة بالمقاوَمة وأهلها، فما الفائدة المرجوَّة بعد هذا؟! إنما كان يَسعُهم ما وسعَ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الحديبية.

هذا نهجٌ تساهَلْنا فيه وبه، ما بين إفراطٍ وتفريطٍ، وعلى المجاهِدين في [حـمـاس] وغيرها أن يَنتهجوا نهْجَ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في المحافَظة على أبنائهم، وليس التَّفريط بهم، إلَّا ما دعَت الضَّرورة القصوى له.

افهَمْ -هَداك الله- أنَّ الصَّادق سيبقَى، وأن الكاذب سيلعَنُه التَّاريخ، فاتْرُك الكذب! المقاوِم سيبقَى حتى وإن كان على خطأٍ، والذُّباب سينتهي وإنْ عَلا صوتُه؛ لأنَّه كاذبٌ.

عندما يطالِب أحدُهم بصلحٍ فإنَّما هو يَتحدَّث مِن منظورٍ شرعيٍّ، معتمِدًا على أدلَّةٍ شرعيَّةٍ صحيحةٍ صريحةٍ.

وتفسير هذا الكلام على خِلاف وجهِه إنَّما هو دربٌ من دروب الجهل، تمامًا كجَهلِ مَن أَلبَسَ الرَّسولَ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه تَنازَلَ عن الحقوق المشروعة!

فارتَقُوا بأنفسكم -عِبادَ الله- واتَّقوا اللهَ!

وقد حاولتُ في هذه النَّصائح إيضاح المنهج، ولا شكَّ أنَّ الخطأ واردٌ، وأستَغفِر الله وحده لا شريك له، وأسأل الله الهداية للجميع،  والحمد لله ربِّ العالَمين.

د. سعيد المحفوظ